سيد محمد طنطاوي
335
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
اتصفوا بما في حيز الصلة . . « 1 » . والذي تطمئن إليه النفس أن هاتين الآيتين ، ترسمان للمسلمين المنهج الذي يجب أن يسيروا عليه مع غيرهم ، وهو أن من لم يقاتلنا من الكفار ، ولم يعمل أو يساعد على إلحاق الأذى والضرر بنا ، فلا يأس من بره وصلته . ومن قاتلنا ، وحاول إيذاءنا منهم . فعلينا أن نقطع صلتنا به ، وأن نتخذ كافة الوسائل لردعه وتأديبه ، حتى لا يتجاوز حدوده معنا . والمعنى : * ( لا يَنْهاكُمُ اللَّه ) * - تعالى - أيها المؤمنون - * ( عَنِ ) * مودة وصلة الكافرين * ( الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ ، فِي الدِّينِ ، ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ) * أي : لم يقاتلوكم من أجل أنكم مسلمون ، ولم يحاولوا إلحاق أي أذى بكم ، كالعمل على إخراجكم من دياركم . لا ينهاكم اللَّه - تعالى - عن * ( أَنْ تَبَرُّوهُمْ ) * أي : عن أن تحسنوا معاملتهم وتكرموهم . وعن أن * ( تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) * أي تقضوا إليهم بالعدل ، وتعاملوهم بمثل معاملتهم لكم ، ولا تجوروا عليهم في حكم من الأحكام . * ( إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) * أي العادلين في أقوالهم وأفعالهم وأحكامهم ، الذين ينصفون الناس ، ويعطونهم العدل من أنفسهم ، ويحسنون إلى من أحسن إليهم . * ( إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّه ) * - تعالى - * ( عَنِ ) * بر وصلة * ( الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ ) * أي قاتلوكم لأجل أنكم على غير دينهم * ( وأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ) * التي تسكنونها * ( وظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ ) * . أي : وعاونوا غيرهم على إخراجكم من دياركم ، يقال : ظاهر فلان فلانا على كذا ، إذا عاونه في الوصول إلى مطلبه . وقوله : * ( أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ) * بدل اشتمال * ( عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ ) * أي : ينهاكم - سبحانه - عن موالاة ، ومواصلة ، وبر الذين قاتلوكم في الدين ، وأخرجوكم من دياركم . * ( ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ ) * أي : ومن يبر منكم - أيها المؤمنون - هؤلاء الذين قاتلوكم * ( فَأُولئِكَ ) * الذين يفعلون ذلك * ( هُمُ الظَّالِمُونَ ) * لأنفسهم ظلما شديدا يستحقون بسببه العقاب الذي لا يعلمه إلا هو - سبحانه - . فأنت ترى أن الآية الأولى قد رخصت لنا في البر والصلة - قولا وفعلا - للكفار الذين لم يقاتلونا لأجل ديننا ، ولم يحاولوا الإساءة إلينا ، بينما الآية الثانية قد نهتنا عن البر أو الصلة
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 74 .